بسم الله الرحمن الرحيم

   ” أصحاب  الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلا ( صدق الله العظيم ).    

     السادة العلماء الأجلاء …. أيها الحفل الكريم على مختلف مواقعه السياسية والإدارية الأمنية والإجتماعية : السلام عليكم ورحمة الله .

إنها لذگرى حزينة وأسبوع مشهود في بلدتي ساد خلاله الوجوم وتوشحت الطرقات بشعارات السواد حداداً على رحيل صديق الجميع فضيلة العلامة الشيخ محسن سبيتي ، فد بكاه فتيان البلدة قبل شيوخها وفتياتها قبل نسائها وقد لا يسمح لي الوقت في أن استرسل بالتحدث عن كافة جوانب حياة فضيلة الشيخ المليئة بالمعاني والعبر وهو العالم الجليل العالي  الهمة ،فقد رافقته منذ رحلة دراسته الى النجف الأشرف ،فما وهنت عزيمته عن التواصل مع أهالي بلدته ومع المؤسسات الإجتماعية فيها ورسائله التي نحتفظ بها منذ خمسين عاماً تؤكد على إهتمامه بشؤون بلدته ودعوته الى وحدة أبنائها وإنمائها، فقد كان قريباً منا رغم بعد المسافة وإنهماكاته بالدراسة، ولسبعة أعوام مضت ،كان الشيخ محسن رحمه الله مريضا ومقعدا لكنه كان موجوداً بيننا يبادلنا مشاعر المحبة والحنان : أيها الصديق أيها العالم الحسيني المحسن أرفع رأسي إجلالاً لسمو قدرك وإحتراماً لعطائك لا يعادله عطاء وحنان الساقية المسرعة شوقاً الى البحر ، أيها السادة كان منزله في النجف الأشرف مقراً واستراحة لإستقبال زائري مقام الإمام علي (ع) يفتش في حنايا المقام عن زائر يصطحبه إلى منزله وقد قيض الله له السيدة الجليلة أم هادي تهون عليه سبل الحياة وتساعده طيلة وجوده في النجف الأشرف ، هذا الشيخ الجليل الذي واكب وداوم على الصلوات الخمس بجانب مرقد الإمام علي (ع) جعلت منه إنساناً تذوب نفسه في محبة الإمام وآل البيت ،وروحاً مشبعةً ببيانه وبلاغته وخطه الجهادي :    أذكر أيها السادة عودته إلى كفرصير بعد إتمام دراسته في سبعينيات القرن الماضي وقد دخل البلدة على حين يقظة من أهلها فإحتشد أبناء البلدة شيوخها وشبابها نساؤها وفتياتها في ساحة البلدة تعلوهم يافطات الترحيب ويتقدمهم مذياع يدوي ينتظرون الفارس القادم كأول عالم من بلدتي : وفجأة ترتفع الأصوات مهللة بالتكبير هاكم سيارة الشيخ تتراءى من بعيد وقبل دنوها من المكان بمئات الأمتار يومئ الشيخ الى سائقها فتتوقف لينزل بطلته المهيبة وقد أخجل ذلك المشهد تواضعه فيتقدم بخطوات واثقة للقاء الأحبة تعلو جبهته عمامة بيضاء أين منها تيجان الملوك قدسية وشرفاً وعلى بعد أمتار يسحب من أطراف جبته منديلاً لا ليمسح عرقه بل ليكفكف دموعه التي غاضت بها مشاعر عاطفته الرقيقة ويكاد يحتضن شيوخ البلدة ورجالها ومن بينهم والده التقي الورع الزاهد الحاج يوسف محسن سبيتي رحمه الله ، ويسير الحشد يتقدمهم الشيخ الى منزله في مسيرة مهيبة حبذا لو كانت تقنيات العلم قد وصلت الى البلدة يومذاك ليجري توثيق ذلك المشهد ليكون عبرة لهذا الجيل فيدرك كم كان حرص الأجداد والآباء على وحدة البلدة  وأن تاريخها قد أسس له أولئك القدماء منذ أكثر من سبعة عقود من الزمن ويبدأ العالم ألشيخ محسن حياته بأسلوب جديد لم نعهده من قبل فهو العالم الذي يتنقل بين مساجد البلدة يحاور المصلين فيشرح المسائل ويجيب على تساؤلاتهم ببساطة يفهمها الأمي والمتعلم ،رأيته العالم العامل الذي يواكب شق الطرقات التي تصل البلدة بالأراضي البعيدة فيوزع بنفسه الطعام على العاملين ورأيته أيضا  في ليالي القدر يدور شخصيأ على الحاضرين يوزع الحلوى ورأيته العالم المقاول يساعد في ترميم وبناء المساجد ، كان يستشرف المستقبل وبنظرة بعيدة وكأنه كان يدرك بأن هنالك مشاريع سياحية تنتظر البلدة ليبني مسجداً بماله الخاص على مثلث طرقاتها إختار أن يكون فيه مثواه الأخير : الشيخ محسن  رحمه الله كان الجادة الواسعة والصراط المستقيم هو المنجم ينثر الجواهر والتحف ويجود بالألماس والتبر وكنا من حوله كالمحفظة تجري وراء كنوزه تلتقطها إستزادةً لثروة معرفتنا : قضى حياته مثاليا ً غني النفس فما إلتفت إلى درهم ولا إهتم بتكوين ثروة ……واكب إطلالة السيد موسى الصدر وكان محل إحترام السيد متأثراً بدوره بإستقامة هذا العالم الجليل ونظرته الى هموم الطائفة ،وإبتعاده عن حب الذات فتكررت زيارته لمنزله في البلدة وكان وفياً في صداقته للسيد ومساهماً فاعلاً في تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وصوتاً هادراً بالحق خلال إجتماعات المجلس وحدث يوماً أن تداعى الناس في البلدة للصلاة جماعة بإمامة السيد وكانت المفاجأة في المسجد عندما أصرّ سماحة الإمام موسى الصدر على الشيخ محسن بأن يؤم المصلين…..وتختلف الأمور بعد مؤامرة تغييب الإمام وتسوء الأوضاع الأمنية والسياسية فيتوجه الشيخ محسن برفقة عائلته الى كندا وأرض الله واسعة فيسعى الى تأمين دراسة أبنائه وأعمال للبالغين منهم ،وإنطلق الشيخ محسن هناك مستفيداً من معارفه وإستقامته على كسب ود الأصدقاء فيؤسس مركزاً إسلامياً إستقطب الجالية الإسلامية وأبناء الجنوب والبقاع تحديداً …..رحم الله فضيلة الشيخ محسن فقد قضى حياته جريئاً … الهيبة تطفح منه، والوقار يفيض عنه، والرزانة تسير في ركابه ، والرصانة تسعى في أعتابه . نجح في تكوين أسرة كريمة شباباً وحد في ما بينهم المعتقد فكان هذا الإستثمار أكبر همه وأغنى ثروته …فيا أبناؤه الذين فيهم نفتخر ونعتز أنتم خير عزاءٍ لنا بعد رحيل الوالد ….فيا هادي ويا محمد حسين، يا شيخ علي، يا حسن، يا يوسف، يا مهدي، يا محمد باقر، يا جواد ويا رضا ،يا بناته الحرائر الطاهرات أنتم العقد الفريد في بلدتي والشيخ علي لؤلؤة هذا العقد ،إستمروا بعد وفاة الوالد أكثر تماسكاً وساعدونا على تحصين المجتمع بتعميم نموذج الوالد وبناء أسر جديدةٍ ناجحةٍ في المجتمع …    أيها الراحل : يا فضيلة الشيخ محسن : لقد إنتظرك أبناء البلدة في ساحتها منذ خمسين عاماً فبكيت يومها شوقاً وتأثراً بعاطفة أبنائها فقد بادلتك الوفاء يوم تشييعك وأنت في الثمانين من عمرك قضيتها جهاداً في سبيل الله وفي خدمة كفرصير والمنطقة ، هذه كفرصير أيها السادة يلفها السواد والحزن على فراق المجاهد الشيخ محسن سبيتي

 هذي كفرصير الحزينة قد بدت   ثكلاء بعدك سيد الكرماء 

 من قبل قد بكت العروبة طائياً      في أدمع قد خضبت بدماء.   

 واليوم يبكي عاملُ شيخاً قضى    قد كان في بيت الكرامة طائي

 يا مؤنس الموتى وموحش بلدةٍ     نالت على كفيك كل رجاءِ  

عنا نأيت وغاب جسمك في الثرى    وصنيعك المحمود ليس بناءِ   

كلمة البلدة في ذكرى أسبوع المرحوم فضيلة العالم الشيخ محسن سبيتي 

   تاريخ ٢٤ /٦ /٢٠١٧ م. الموافق ٢٩رمضان ١٤٣٨ه  

   رشيد محمد سكافي

مقالات ذات صلة