في غمرة الحديث عن الصراعات المذهبية الدامية المدفوعة بأهداف سياسية واقتصادية تأتي ذكرى شهادة الامام السادس من أئمة أهل البيت ع لتعيد إلى الأذهان مرحلة ذهبية من تاريخ المسلمين سادت ابانها أجواء العلم والحوار والاجتهاد وتعدد الرأي والانفتاح الذي تجسد بجامعة علمية في المدينة المنورة تتلمذ في أرجائها آلاف التلامذة ورواد العلوم الدينية والدنيوية في تفاعل ثقافي وحصاري تجلى بترجمة كتب اليونان إلى العربية مما فتح الباب واسعا على تطويرها والإسهام برفدها بنظريات حديثة نقلت لاحقا إلى أوروبا لتؤسس لنهضتها العلمية في شتى المجالات الفكرية ولا يخفى على المتتبع للوضع الاجتماعي التاريخي آنذاك ان فسحة الحرية التي سادت تلك الحقبة بفعل الصراع السلطوي بين الأمويين والعباسيين ابعد الأنظار الحكومية عن حركة الامام جعفر الصادق التي كانت تتوجس دوما من تعلق الجماهير بقيادة أهل البيت ومعرفتهم بحقهم الديني وفضلهم وشأنهم كسلالة مطهرة لرسول الإسلام وما تمتعوا به من أهلية ذاتية تجعلهم أحق بهداية الأمة وتوجيهها وهدايتها إلى آفاق التطور وبناء كيان حضاري متميز على أكثر من صعيد بفعل غنى التنوع وفتح أبواب النظر والتدبر والنقاش الفلسفي والعلمي دون إقصاء او تكفير او تسقيط فكان رئيس المذهب الشيعي أستاذا لأئمة المذاهب الإسلامية الأخرى دون حرج ومرجعية علمية حتى لغير المسلمين من خلال جيل ابدع في علوم الفلك والرياضيات والكيمياء والطب والهندسة المعمارية وغيرها ان واقعنا اليوم بحاجة ماسة وملحة لاستحضار هذه التجربة واستنطاقها واستلهامها لإنقاذ العالم الإسلامي ومعه البشرية جمعاء من شرور الفتن والعصبية وشريعة الغاب المتلبسة بلبوس الدين والدين منها براء لا يمكن ان يبرر عودة منطق الجريمة وإسقاط منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية التي جاء أصلا لحفظها وتعزيزها وإعادة الإنسان إلى جنبته الملكوتية المترفعة عن النزوات والشهوات والغرائز الحيوانية المنفلتة من كل عقال وحدود ان العودة إلى الإسلام عبر مدرسة وتعاليم أهل بيت النبي الذين مثلوا دوما النبراس والمنهاج الوسطي المعتدل هو السبيل اليوم لتصحيح الصورة المشوهة للدين السماوي الخاتم والرسالة الإلهية الأخيرة إلى بني الإنسان وان التجارب المتوالية عبر الزمن ماضيا وحاضرا أكدت وتؤكد هذا المعنى ولا نحتاج إلا إلى شيئ من الموضوعية والحيادية لنثبت ذلك فسلام على أمام الأئمة ومؤسس العلوم وباني مداميك الحضارة جعفر بن محمد الصادق يوم ولد ويوم استشهد مسموما ويوم يبعث مع النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

مقالات ذات صلة